ضمير المهنة شرف لا يشترى

تأملات،
بقلم: ولاء فريد بن عطاف
ليست كل المهن سواء، وإن اختلفت في الشكل أو المسمى، فالفارق لا تصنعه الأدوات ولا الشهادات، بل تصنعه الضمائر.
عندما يتحول أداء العمل إلى عبادة، وتغدو المسؤولية أمانة تحمل لا مغنم يحاز، ندرك أن لكل مهنة شرفًا، ولكل صاحب مهنة ضميرًا، إما أن يحييه فيكون سببًا في رفعة الناس وكرامتهم، أو يهمله فيصبح معول هدم في جسد الحياة.
المعلم، مثلًا، لا يعطي العلم بقدر ما يدفع له. ولا يقاس عطاؤه بعدد الحصص ولا بأجر الساعة، بل بقدر ما يزرع في العقول من نور، وما يوقظ في النفوس من وعي. فزكاة العلم نشره، لا احتكاره، ولا يقاس الخير بكثافة المعلومات بل بصدق النية في نقلها.
أما الطبيب، فليس ترفًا أن ينقذ حياة، بل واجبًا أخلاقيًّا قبل أن يكون وظيفة. لذلك عليه أن لا يجامل شركات الدواء على حساب المريض، ولا يطيل أمد العلاج ليضمن مردود أكبر. فالطبيب الحقيقي يرى في أنين المريض استغاثة، وفي عينه رجاء، فيداوي بما يستطيع، ويعين بما يعلم، ويجعل من الرحمة زاده وربحه.
والإعلامي، من يفترض به أن يكون صوت الناس، لا خنجرًا في ظهورهم. لا تبيح له الكاميرا اقتحام الخصوصيات، لا يغريه السبق الصحفي على حساب آلام الآخرين. الأمانة في نقله، والحياد في طرحه، والإنسانية في نبرته، هي ما تجعله إعلاميًّا بحق، لا مجرد ناقل وبائع للخبر.
وكذلك السياسي، إن لم يدرك أن منصبه تكليف لا تشريف، فسد وأفسد. المراكز لا تعطيه قيمة، بل يمنحها قيمتها من عدله، وحرصه على حقوق الناس. من تربى على مخافة الله، لن يظلم، ولن يطغى، ولن يرى في منصبه إلا فرصة ليحمل الأمانة بصدق، لا فرصة ليخدم نفسه ومن حوله على حساب الآخرين.
والمحامي، عليه أن لا يرافع من أجل المال فقط، بل من أجل إحقاق الحق. وأن يضع أمامه ميزان العدالة قبل ميزان الربح، وأن يناصر المظلوم ولو خسر، لا أن يبيع ضميره في سوق النفوذ والمحسوبية.
والمهندس، لا يضع حجرًا فوق حجر فحسب، بل يشيد ثقة، ويرسم أمانًا للناس. ومن يغش في البناء، لا يخون مهنته فحسب، بل يخون ربه، ويهدد أرواح الأبرياء، ويهدم ما بني من قيم.
أما المحاسب، فهو الصادق الأمين على أموال الناس، حاميها لا حراميها، يجب أن يعلم أن كل ريال يذهب بغير وجه حق، هو دين سيحاسب عليه في الدنيا قبل الأخرة. فالنزاهة ليست خيارًا هنا، بل جوهر العمل وغايته.
وكل مهنة، في جوهرها، عقد أخلاقي بين الإنسان وربه قبل أن تكون عقدًا بينه وبين المؤسسة التي يعمل بها. فمن ضيع الضمير، ضيع معه شرف المهنة، مهما حمل من ألقاب. ومن صان الأمانة، عرفه الله في الناس، ورفع ذكره بين خلقه، وإن لم يسلط عليه الضوء.
أخيرًا، ضمير المهنة هو الروح التي تبقي المهن إنسانية. هو ما يجعل من المعلم رسولًا، ومن الطبيب ملاكًا، ومن السياسي راعيًا، ومن الإعلامي صوت حق، ومن كل صاحب عمل خادمًا للخير.
فمن أراد الكسب فليتاجر، ومن أراد الشرف فليعمل بضمير.
تعليقات
إرسال تعليق