من صدق مع الله، أسكت الله به ضجيج الباطل

تأملات:

بقلم: ولاء فريد بن عطاف

في مجتمعاتنا، قد يطعن الحق، لا بسكين الجهل، بل بصمت العارفين.

نعيش بين وجوه تخشى الناس أكثر مما تخشى الله، تتزين بالتقوى، وتختبئ خلف الأقنعة، لكنها ترتجف حين يذكر اسم مسؤول، أو تلمح سلطة، أو تثار قضية. في زمن يعلق فيه الدين على الجدران، لا في القلوب، ويردد فيه اسم الله دون خشية حقيقية، يصبح قول كلمة الحق شجاعة لا يطيقها إلا من امتلأ يقينًا أن الرزق بيد الله، وأن الكرامة لا تقاس بمرتب، ولا يصنعها لقب.

رأيت مؤخرًا مقطعًا لموظفة مغربية، وقفت بشجاعة أمام المدير التنفيذي لقطاع الذكاء الاصطناعي في شركة مايكروسوفت، لم تخف على راتبها، ولا على مسارها المهني. كل ما فكرت فيه كان وجه الله، ووجع فلسطين. وقفت وقالت كلمة حق، في مكان يحلم أن يتوظف فيه الملايين، إلا أنها علمتنا أن الإنسان لا يقاس بمكانه، بل بموقفه.

تساءلت: لماذا لا نرى مواقف مشابهة في بلداننا؟

لماذا في مجتمعاتنا، حين يظلم إنسان، تجد الأغلبية العظمى تكتفي بالمشاهدة دون حراك؟

بل هناك من يبتسم للظالم، ويصمت عن الفاسد، ويبرر للنمام، ثم يدعي التدين والورع.

وهناك من يخاف أن يقول كلمة حق، لا خشية من الأذى، بل لأن مصالحه أهم من ضميره، وعلاقاته الشخصية أهم من علاقته مع الله.

في بلدي، كم من مظلوم نعرفه، لكننا نمر من جواره بصمت.

كم من سيرة ينهش فيها عرض صاحبها، ولا نجد من يرد غيبته؟

كم من حق يسلب، وأرض تنهب، وكرامة تهدر، لكننا نكتفي بالصمت، أو المجاملة، أو الهروب؟

أي مجتمع هذا الذي يخاف البشر أكثر من خالقه؟

أي دين نمارسه حين نصلي في الصفوف الأولى، لكننا نتخاذل عن نصرة المظلوم؟

أليست كلمة الحق عند سلطان جائر من أعظم الجهاد؟ فكيف بمن لا يستطيع حتى قولها في مجلس عادي؟

فالحق لا يحتاج إلى صراخ، يكفيه فقط أن يقال. ورغم أن الصدق أصبح مكلفًا، ومكافأته ليست دائمًا فورية، لكنها عند الله، في ميزان لا يخطئ، في وقت لا يتأخر.

فإن أردت أن تقول كلمة، قلها لوجه الله، لا من أجل مصلحة، ولا من أجل مجاملة.

وإن رأيت مظلومًا، فكن مؤمنًا شجاعًا، لا متفرجًا جبان.

وإن صمت الجميع واختاروا ظلام الصمت، فليكن صوتك نورًا، وإن بقيت وحدك.

وفي النهاية، من صدق مع الله، أسكت الله به ضجيج الباطل.





تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الحوالات الخارجية في اليمن، شريان حياة أم عبء اقتصادي.

ضمير المهنة شرف لا يشترى