المشاركات

عرض المشاركات من مايو, 2025

ثقافة القطيع، حينما يتوارى العقل خلف الجماعة

صورة
  تأملات: في عالم تتزايد فيه الضغوط الاجتماعية وتضخم حضور وسائل الإعلام والتواصل، يبرز مفهوم "ثقافة القطيع" كمصطلح يختزل جانبًا مظلمًا من النفس البشرية؛ ذلك الجزء الذي يتخلى فيه الإنسان عن فردانيته، ويذوب دون وعي في طوفان الجماعة . ثقافة القطيع لا تعني فقط أن نسير خلف الآخرين، بل تعني أن نكف عن السؤال، عن التفكير: هل هذا المسار لي؟ هل هو صحيح؟ هل يعكس قيمي؟ إنها حالة من التنازل الطوعي عن العقل النقدي، مقابل الشعور الزائف بالأمان الذي تمنحه الأغلبية . يقول ( Walter Lippmann ): "حين يفكر الجميع بالطريقة ذاتها، لا أحد يفكر حقًا ." ويتحدث الفيلسوف الألماني نيتشه عن "الأخلاق القطيعية" التي نشأت من رغبة الضعفاء في فرض الانصياع على الأقوياء، حيث تصبح الطاعة والتشابه والخضوع هي الفضائل. وهكذا، فإن ثقافة القطيع ليست فقط اجتماعية، بل أيضًا أخلاقية. إنها تخنق التميز، وتنبذ المختلف، وتكافئ التكرار . وفي دراسة أجراها Solomon Asch عام 1951 حول التوافق الاجتماعي، أظهرت النتائج أن الأفراد غالبًا ما يغيرون إجاباتهم الصحيحة لتتطابق مع آراء الجماعة، رغم يقينهم بخ...

أزمة الكهرباء في اليمن وأثرها على الاقتصاد المحلي: دراسة في علاقة ضعف البنية التحتية وارتفاع كلفة المعيشة

صورة
تشهد اليمن واحدة من أشد أزمات الطاقة في المنطقة، إذ أصبحت الكهرباء، التي تعد من المقومات الأساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، عصبًا مفقودًا في حياة اليمنيين اليومية، خاصة بعد سنوات الحرب والانقسام السياسي والمؤسسي. تعاني البلاد من نقص حاد في التوليد الكهربائي، وتدهور في البنية التحتية، وسط عجز حكومي عن الاستجابة الفعالة. وترتبط هذه الأزمة بشكل مباشر بتداعيات اقتصادية خطيرة، تطال معيشة المواطنين وتكلفة الإنتاج وتعطيل القطاعات الحيوية . أولًا: البنية التحتية الكهربائية (إرث الحرب وسوء التخطيط) قبل الحرب، كانت اليمن تعتمد بشكل رئيسي على محطات الكهرباء التقليدية العاملة بالوقود الأحفوري، وكانت هناك مشاريع قيد التنفيذ لإدخال مصادر طاقة بديلة. لكن الحرب التي اندلعت في عام 2015 أدت إلى دمار واسع في الشبكات الكهربائية، وخراب في محطات الإنتاج، وغياب الصيانة والتحديث. واليوم، تعاني معظم محطات الكهرباء من الإهمال، في حين أن التوزيع محكوم بسياسات مناطقية وفساد إداري، مما أدى إلى غياب العدالة في توفير الخدمة . ثانيًا: الكهرباء كعامل اقتصادي (الأثر على تكلفة المعيشة والإنتاج) لا تعد الكه...

قاضيًا على الناس... محاميًا لنفسك

صورة
تأملات: بقلم: ولاء فريد بن عطاف في محكمة الحياة، يقف كثيرون بثوب القاضي صارمين حين يتعلق الأمر بالآخرين، وبعباءة المحامي المتراخية حين يتعلق الأمر بأنفسهم. يصدرون الأحكام الجاهزة على الغير، وكأنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة، بينما حين يرتكبون الخطأ ذاته، يهرعون إلى التبرير والتجميل، معللين زلاتهم بالظروف، أو النوايا الطيبة، أو حتى الحظ العاثر. إنها ازدواجية غريبة يعيشها الإنسان، قاضي صارم في الخارج، ومحامي متساهل في الداخل. ولكن هل نملك الجرأة لمواجهة أنفسنا بصدق؟ هل تكمن العدالة الحقيقية في الانتصار للنفس دائمًا، حتى وإن أخطأت؟ أم في الانتصار لصوت الضمير، وامتلاك الشجاعة للاعتراف بالخطأ، والسعي لإصلاحه؟ قال الإمام علي رضي الله عنه: "من نظر في عيوب الناس فأنكرها، ثم رضيها لنفسه، فذلك الأحمق بعينه." هذه الحكمة تلخص صراعًا داخليًا يعاني منه الكثيرون: نقد الفعل في الآخرين، وممارسته سرًا، مع تبرير مستمر للنفس. وفي علم النفس، يعرف هذا السلوك بآلية الدفاع النفسي المسماة "التبرير" ( Rationalization )، وهي وسيلة يلجأ إليها العقل اللاواعي  لتخفيف وطأة الشعور بالذنب أو القلق. إل...

اقتصاد الحرب في اليمن، من المستفيد من استمرار المعاناة؟

صورة
منذ اندلاع النزاع المسلح في اليمن عام 2015، لم يقتصر تأثير الحرب على الجوانب الإنسانية والسياسية فحسب، بل أدى إلى نشوء اقتصاد حرب معقد يغذي الصراع ويطيل أمده. هذا الاقتصاد لا يقتصر على الأطراف المتحاربة فحسب، بل يشمل شبكة واسعة من الفاعلين المحليين والدوليين الذين يستفيدون من استمرار النزاع. أولًا: ملامح اقتصاد الحرب في اليمن اقتصاد الحرب في اليمن يتميز بخصائص محددة تسهم في استمرارية النزاع: 1.     الاقتصاد المزدوج : أدى الانقسام السياسي إلى تشكل نظامين اقتصاديين متوازيين؛ أحدهما تحت سيطرة الحكومة المعترف بها دوليًا والآخر تحت سيطرة جماعة الحوثيين. نتج عن ذلك تشوهات هيكلية، منها تعدد السياسات النقدية وأسعار الصرف. 2.     الفساد المستشري : تغلغل الفساد في جميع مستويات الإدارة، مع استفادة النخب السياسية والعسكرية من الوضع الراهن. 3.     الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي: انتعشت أنشطة مثل التهريب والسوق السوداء والتحويلات غير الرسمية، ما أضعف قدرة الدولة على جمع الإيرادات وتطبيق السياسات الاقتصادية. ثانيًا: الفاعلون المستفيدون من اقتصاد الحرب 1....

من صدق مع الله، أسكت الله به ضجيج الباطل

صورة
تأملات: بقلم: ولاء فريد بن عطاف في مجتمعاتنا، قد يطعن الحق، لا بسكين الجهل، بل بصمت العارفين. نعيش بين وجوه تخشى الناس أكثر مما تخشى الله، تتزين بالتقوى، وتختبئ خلف الأقنعة، لكنها ترتجف حين يذكر اسم مسؤول، أو تلمح سلطة، أو تثار قضية. في زمن يعلق فيه الدين على الجدران، لا في القلوب، ويردد فيه اسم الله دون خشية حقيقية، يصبح قول كلمة الحق شجاعة لا يطيقها إلا من امتلأ يقينًا أن الرزق بيد الله، وأن الكرامة لا تقاس بمرتب، ولا يصنعها لقب. رأيت مؤخرًا مقطعًا لموظفة مغربية، وقفت بشجاعة أمام المدير التنفيذي لقطاع الذكاء الاصطناعي في شركة مايكروسوفت، لم تخف على راتبها، ولا على مسارها المهني. كل ما فكرت فيه كان وجه الله، ووجع فلسطين. وقفت وقالت كلمة حق، في مكان يحلم أن يتوظف فيه الملايين، إلا أنها علمتنا أن الإنسان لا يقاس بمكانه، بل بموقفه. تساءلت: لماذا لا نرى مواقف مشابهة في بلداننا؟ لماذا في مجتمعاتنا، حين يظلم إنسان، تجد الأغلبية العظمى تكتفي بالمشاهدة دون حراك؟ بل هناك من يبتسم للظالم، ويصمت عن الفاسد، ويبرر للنمام، ثم يدعي التدين والورع. وهناك من يخاف أن يقول كلمة حق، لا خشية من الأذى، بل ل...