اقتصاد الحرب في اليمن، من المستفيد من استمرار المعاناة؟

منذ اندلاع النزاع المسلح في اليمن عام 2015، لم يقتصر تأثير الحرب على الجوانب الإنسانية والسياسية فحسب، بل أدى إلى نشوء اقتصاد حرب معقد يغذي الصراع ويطيل أمده. هذا الاقتصاد لا يقتصر على الأطراف المتحاربة فحسب، بل يشمل شبكة واسعة من الفاعلين المحليين والدوليين الذين يستفيدون من استمرار النزاع.

أولًا: ملامح اقتصاد الحرب في اليمن

اقتصاد الحرب في اليمن يتميز بخصائص محددة تسهم في استمرارية النزاع:

1.    الاقتصاد المزدوج: أدى الانقسام السياسي إلى تشكل نظامين اقتصاديين متوازيين؛ أحدهما تحت سيطرة الحكومة المعترف بها دوليًا والآخر تحت سيطرة جماعة الحوثيين. نتج عن ذلك تشوهات هيكلية، منها تعدد السياسات النقدية وأسعار الصرف.

2.    الفساد المستشري: تغلغل الفساد في جميع مستويات الإدارة، مع استفادة النخب السياسية والعسكرية من الوضع الراهن.

3.    الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي: انتعشت أنشطة مثل التهريب والسوق السوداء والتحويلات غير الرسمية، ما أضعف قدرة الدولة على جمع الإيرادات وتطبيق السياسات الاقتصادية.

ثانيًا: الفاعلون المستفيدون من اقتصاد الحرب

1.     النخب السياسية والعسكرية: تستغل هذه النخب موارد الدولة والمساعدات الدولية لتعزيز سلطتها، عبر:

-       السيطرة على الموانئ والمعابر والضرائب.

-       استغلال المساعدات الإنسانية وتوجيهها لخدمة أجندات خاصة، على سبيل المثال: توجيه المساعدات لصالح مناطقهم أو استخدامها كوسيلة للضغط السياسي.

2.    الجماعات المسلحة: تشمل جماعة الحوثيين وتنظيم القاعدة في جزيرة العرب، حيث يستفيدون من:

-       الضرائب والجبايات: فرض رسوم على الشركات والمواطنين في المناطق التي يسيطرون عليها.

-       التهريب: الاستفادة من تجارة الأسلحة والمخدرات والسلع الأخرى عبر الحدود.

3.    الشركات الدولية: حيث تستفيد بعض الشركات الأجنبية من عقود إعادة الإعمار، وذلك للحصول على عقود لإعادة بناء ما دمرته الحرب. فضلًا عن تجارة الأسلحة، التي تزدهر بوجود طلب دائم من أطراف النزاع.

ثالثًا: تأثير اقتصاد الحرب على السلام والتنمية

يعيق اقتصاد الحرب جهود السلام من خلال:

1.    خلق مصالح متجذرة: وجود فاعلين يستفيدون من استمرار النزاع يجعلهم غير مستعدين لدعم جهود السلام.

2.    تدمير البنية التحتية: استمرار الحرب يؤدي إلى تدمير المرافق الحيوية، مما يصعب من جهود إعادة الإعمار والتنمية.

3.    إضعاف المؤسسات: تفكك المؤسسات الحكومية يقلل من قدرتها على تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين.

رابعًا: توصيات للحد من اقتصاد الحرب

للتخفيف من آثار اقتصاد الحرب، يوصى بـ:

1.    تعزيز الشفافية: فرض رقابة دولية صارمة على توزيع الموارد والمساعدات.

2.    دعم الاقتصاد الرسمي: خلق بيئة مناسبة للاستثمار، وتمكين القطاع الخاص الوطني.

3.    تمكين المجتمع المدني: منح مساحة للمراقبة والمساءلة والمشاركة في التخطيط الاقتصادي.

ختامًا، إن فهم اقتصاد الحرب في اليمن ليس فقط ضروريًا لتشخيص جذور الصراع، بل يعد شرطًا أساسيًا لتحقيق أي حل دائم. حيث استمرار هذا الاقتصاد القائم على المعاناة يقوض فرص السلام، ويهدد مستقبل اليمن كدولة ومجتمع. لذلك، فإن التصدي لهذه البنية الاقتصادية المختلة يجب أن يكون جزءًا جوهريًا من أي استراتيجية لإنهاء النزاع وإعادة بناء الدولة.

 الباحثة في سلك الدكتوراه/ ولاء فريد بن عطاف

المصادر

Arab Center Washington DC. "Yemen's War Economy: A Key Factor in the Ongoing Conflict." https://arabcenterdc.org/resource/yemens-war-economy-a-key-factor-in-the-ongoing-conflict

Sana'a Center for Strategic Studies. "Corruption in Yemen's War Economy." https://sanaacenter.org/publications/main-publications/6602

World Bank. "Economic consequences of the war in Yemen: from macroeconomic shocks to microeconomic pain." https://blogs.worldbank.org/en/arabvoices/economic-consequences-war-yemen-macroeconomic-shocks-microeconomic-pain

Friends Committee on National Legislation. "Who's Profiting From the War on Yemen?" https://www.fcnl.org/updates/2020-10/whos-profiting-war-yemen

The New Humanitarian. "What's Unsaid | How profit is preventing peace in Yemen." https://www.thenewhumanitarian.org/podcast/whats-unsaid/2023/10/12/whats-unsaid-how-profit-preventing-peace-yemen

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الحوالات الخارجية في اليمن، شريان حياة أم عبء اقتصادي.

ضمير المهنة شرف لا يشترى

من صدق مع الله، أسكت الله به ضجيج الباطل