تدهور الريال اليمني في ظل الانقسام النقدي بين عدن وصنعاء

في ظل الأزمة الاقتصادية المستمرة في اليمن، يواجه المواطنون تحديات متزايدة بسبب تدهور العملة المحلية، مما يؤدي إلى زيادة الأسعار وانخفاض القدرة الشرائية. وتتعقد الأمور أكثر بسبب الانقسام النقدي بين المناطق الخاضعة للحكومة المعترف بها دوليًا والمناطق الخاضعة لسلطة الحوثيين.

أولًا: نظامان نقديان في بلد واحد

يعيش اليمن اليوم وضعًا مختلفًا على مستوى العالم، حيث يتم تداول نسختين من العملة الوطنية:

في صنعاء (المناطق الخاضعة للحوثيين):

يتم تداول الريال القديم (الذي طبع قبل 2016).

يتم رفض النسخ الجديدة من العملة.

سعر الصرف مستقر نسبيًا عند 537 ريالًا للدولار.

رابط المصدر: yemen.yeti.acaps.org

بينما في عدن (المناطق الخاضعة للحكومة المعترف بها دوليًا):

يستخدم الريال الجديد، والذي طبع بأحجام كبيرة.

سعر الصرف يواصل الانهيار، ووصل في أبريل 2025 إلى 2511 ريالًا للدولار.

رابط المصدر: https://2dec.net/rate.html

هذا الانقسام يعكس فشلًا في السياسة النقدية المركزية، وتفتتًا في سلطة البنك المركزي، ما حول الريال إلى سلعة غير مستقرة، تفقد قيمتها في منطقة وتفرض في أخرى.

 ثانيًا: التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية للانقسام النقدي

الانقسام النقدي لم يبق مجرد اختلاف في الأوراق المالية المتداولة، بل تحول إلى أزمة عميقة تشمل:

- فروقات في الأسعار: أسعار السلع والخدمات تختلف بشكل كبير بين عدن وصنعاء، حتى بالنسبة للبضائع المستوردة نفسها.

- ضعف القوة الشرائية: الريال الجديد يفقد قيمته باستمرار، مما يقلص قدرة المواطن في عدن على شراء الأساسيات.

- ارتفاع تكلفة التشغيل: المؤسسات الوطنية العاملة في نطاق جغرافي واسع تواجه تحديات في التسعير، ودفع الرواتب، وإدارة المخزون.

- صعوبة تحويل الأموال داخليًا: تفرض رسوم عالية أو يمنع تحويل العملة من منطقة لأخرى في بعض الأحيان، ما يخلق سوقًا سوداء ويزيد من معاناة المواطنين.

ثالثًا: فجوة مرعبة بين الدخل وتكلفة المعيشة

وفقًا لبيانات البنك الدولي لعام 2023:

نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في اليمن بلغ 477 دولارًا سنويًا فقط، أي ما يعادل حوالي 40 دولارًا شهريًا.

رابط المصدر: https://data.worldbank.org/indicator/NY.GDP.PCAP.CD...

بينما تقدر تكلفة المعيشة الشهرية للفرد الواحد بنحو 224,000 ريال يمني (أي ما يقارب 200 دولار حسب سعر عدن).

رابط المصدر: https://www.numbeo.com/cost-of-living/country_result.jsp...

النتيجة: دخل الفرد لا يغطي حتى 20% من احتياجاته الأساسية. ويجبر المواطن  على الاستدانة، أو الاعتماد على التحويلات الخارجية، أو تقليص احتياجاته الحيوية.

رابعًا: الأسباب الجذرية للأزمة النقدية

- طباعة العملة دون غطاء: الحكومة في عدن لجأت إلى تمويل العجز بطباعة نقدية، مما زاد المعروض النقدي وخفض قيمته.

- غياب التنسيق بين بنكين مركزيين: صنعاء وعدن تتعاملان كمؤسستين ماليتين مستقلتين، دون سياسة نقدية موحدة.

- انكماش الاقتصاد الحقيقي: الإنتاج المحلي في تراجع، والعائدات الحكومية تتآكل بفعل الحرب، مما يضعف الدعم للعملة.

والنتيجة، اصبح الموطن اليمني اليوم لا يثق بالعملة، لا يعرف كم ستساوي غدًا، ولا يستطيع أن يخطط لمستقبله في ظل هذا الانقسام. الريال اليمني أصبح "ضحية سياسية" بامتياز، يدفع المواطن ثمنها بشكل يومي.

خامسًا: حلول اقتصادية لدعم العملة واستقرار الاقتصاد:

1. إيقاف تعويم العملة المحلية

التفسير: تعويم العملة يعرضها لمزيد من التدهور.

الحل: تثبيت العملة مؤقتًا مع دعم من البنك المركزي لتحقيق استقرار نسبي في سعر الصرف.

2. تفعيل الرقابة على أسواق الصرافة

الحل: فرض رقابة صارمة على شركات الصرافة ومحاربة السوق السوداء من خلال تحسين الشفافية وتعزيز الرقابة.

3. إعادة بناء احتياطيات العملة الصعبة

الحل: جمع الاحتياطيات عبر بيع سندات دولية، أو الاقتراض من المؤسسات المالية الدولية، أو دعم المشاريع الاقتصادية المحلية.

4. إصلاح القطاع المالي والنقدي

الحل: إصلاح النظام المصرفي، ومحاربة الفساد، وتحسين كفاءة المؤسسات المالية.

5. دعم الإنتاج المحلي وتعزيز الصادرات

الحل: تطوير القطاع الصناعي والزراعي لخفض الاعتماد على الاستيراد وزيادة الإيرادات من الصادرات.

6. تشجيع التحويلات المالية عبر القنوات الرسمية

الحل: تخفيض الرسوم وتحسين تسهيلات التحويل من الخارج لتوجيه الأموال إلى النظام المالي الرسمي.

7. مراجعة السياسات الضريبية

الحل: إصلاح النظام الضريبي وزيادة الإيرادات الحكومية من خلال تحسين إدارة الضرائب وتوسيع القاعدة الضريبية.

8. استعادة سلطة البنك المركزي على كامل التراب اليمني

التفسير: سيطرة البنك المركزي على كافة الأراضي اليمنية أمر حاسم لاستعادة ثقة المواطنين والنظام المالي.

الحل: يجب أن يعاد تنسيق عمل البنك المركزي في كافة المناطق اليمنية لضمان استقرار سياساته النقدية وتنفيذها بشكل فعال.

9. وقف طباعة العملة غير المدروسة

التفسير: طباعة العملة بشكل غير مدروس تؤدي إلى التضخم وتآكل قيمة الريال.

الحل: من الضروري إيقاف طباعة العملة بلا ضوابط وبدون خطة مدروسة، بحيث يتم طباعة العملة فقط بناءً على احتياجات الاقتصاد الوطني.

10. إعادة بناء الثقة بالنظام النقدي من خلال إصلاحات اقتصادية شاملة وشفافة

الحل: الشفافية في السياسات المالية والنقدية ضرورية لاستعادة الثقة لدى المواطنين والمستثمرين، مما يسهم في استقرار العملة.

11. منع التعامل بغير العملة الوطنية في الأسواق المحلية

التفسير: تداول العملات الأجنبية في السوق المحلية يعزز من ضعف الريال اليمني ويزيد من تدهوره.

الحل: من الضروري أن يتم منع التعامل بالعملات الأجنبية في المعاملات اليومية داخل الأسواق المحلية، وذلك من خلال قوانين صارمة للحد من استخدام العملات الأجنبية، مما يعزز من الطلب على الريال اليمني ويساهم في استقراره.

ختامًا: لا شك أن تدهور الريال اليمني والظروف الاقتصادية الصعبة تشكل تحديًا كبيرًا. ولكن من خلال تطبيق الحلول الجذرية مثل إيقاف تعويم العملة، فرض رقابة على أسواق الصرافة، استعادة سلطة البنك المركزي، ومنع التعامل بغير العملة الوطنية، يمكن تقليل الآثار السلبية على المواطن اليمني وتعزيز استقرار الاقتصاد بشكل عام. إن التحدي الأكبر يكمن في تنسيق الجهود بين الحكومة والمجتمع الدولي لتطبيق هذه الحلول بشكل فعال.

الباحثة في سلك الدكتوراه/ ولاء فريد بن عطاف


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الحوالات الخارجية في اليمن، شريان حياة أم عبء اقتصادي.

ضمير المهنة شرف لا يشترى

من صدق مع الله، أسكت الله به ضجيج الباطل