أزمة الكهرباء في اليمن وأثرها على الاقتصاد المحلي: دراسة في علاقة ضعف البنية التحتية وارتفاع كلفة المعيشة

تشهد اليمن واحدة من أشد أزمات الطاقة في المنطقة، إذ أصبحت الكهرباء، التي تعد من المقومات الأساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، عصبًا مفقودًا في حياة اليمنيين اليومية، خاصة بعد سنوات الحرب والانقسام السياسي والمؤسسي. تعاني البلاد من نقص حاد في التوليد الكهربائي، وتدهور في البنية التحتية، وسط عجز حكومي عن الاستجابة الفعالة. وترتبط هذه الأزمة بشكل مباشر بتداعيات اقتصادية خطيرة، تطال معيشة المواطنين وتكلفة الإنتاج وتعطيل القطاعات الحيوية.

أولًا: البنية التحتية الكهربائية (إرث الحرب وسوء التخطيط)

قبل الحرب، كانت اليمن تعتمد بشكل رئيسي على محطات الكهرباء التقليدية العاملة بالوقود الأحفوري، وكانت هناك مشاريع قيد التنفيذ لإدخال مصادر طاقة بديلة. لكن الحرب التي اندلعت في عام 2015 أدت إلى دمار واسع في الشبكات الكهربائية، وخراب في محطات الإنتاج، وغياب الصيانة والتحديث. واليوم، تعاني معظم محطات الكهرباء من الإهمال، في حين أن التوزيع محكوم بسياسات مناطقية وفساد إداري، مما أدى إلى غياب العدالة في توفير الخدمة.

ثانيًا: الكهرباء كعامل اقتصادي (الأثر على تكلفة المعيشة والإنتاج)

لا تعد الكهرباء خدمة منزلية فحسب، بل هي عنصر رئيس في عجلة الاقتصاد. ارتفاع ساعات الانقطاع اليومي يضطر السكان وأصحاب الأعمال إلى الاعتماد على مولدات خاصة تعمل بالوقود، مما يرفع التكلفة التشغيلية بشكل كبير. في الصناعات الصغيرة، مثل المخابز والورش والمحال التجارية، يؤدي انقطاع الكهرباء إلى توقف النشاط أو رفع الأسعار لتغطية الكلفة الإضافية. كذلك، ارتفعت أسعار السلع والخدمات بسبب نقل تكاليف الطاقة إلى المستهلك، مما فاقم معدلات التضخم.

ثالثًا: المولدات التجارية (حل مؤقت أم أزمة موازية؟)

انتشرت ظاهرة "الاشتراك الكهربائي التجاري" في الأحياء السكنية، حيث يوفر تجار الكهرباء الطاقة مقابل رسوم شهرية باهظة. هذا النظام، رغم أنه يعوض نسبياً عن غياب الكهرباء الحكومية، إلا أنه يمثل عبئًا اقتصاديًا ثقيلًا على الأسر اليمنية، خاصة مع غياب أي رقابة على الأسعار أو الجودة. كما يساهم هذا النظام في زيادة انبعاثات الكربون وتلوث الهواء في المدن.

رابعًا: تأثير أزمة الكهرباء على قطاع التعليم والصحة

المدارس والمستشفيات والمراكز الخدمية لا تستطيع العمل بكفاءة دون طاقة كهربائية مستقرة. خلال فصول الصيف، تزداد معاناة الطلاب بسبب الحرارة المرتفعة وعدم توفر وسائل التهوية. أما في المستشفيات، فإن غياب الكهرباء يهدد حياة المرضى، خاصة في أقسام العناية المركزة وحضانات الأطفال، مما يجعل من أزمة الكهرباء أزمة إنسانية.

خامسًا: هل من أفق لحل الأزمة؟

رغم بعض المبادرات الدولية التي تستهدف تحسين البنية التحتية للطاقة في اليمن، إلا أن غياب الاستقرار السياسي وضعف التنسيق بين الجهات المعنية يجعل من الحلول الجذرية بعيدة المدى. لكن يمكن المراهنة على مصادر الطاقة المتجددة كأحد البدائل الممكنة، خصوصًا في المناطق الريفية. كما أن تعزيز الشفافية، وتنظيم قطاع الطاقة بشكل رسمي بعيدًا عن التدخلات السياسية، يعد ضرورة لإنهاء هذا الشلل المزمن.

ختامًا، إن أزمة الكهرباء في اليمن ليست مجرد مشكلة تقنية تتعلق بنقص الطاقة أو البنية التحتية المتقادمة، بل هي أزمة معقدة تتداخل فيها العديد من العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية. في ظل النزاع المستمر والأزمات المتلاحقة، أصبحت الكهرباء في اليمن عنصراً غير مستقر لا يعتمد عليه بشكل يومي، ما يزيد من معاناة المواطنين، الذين يجدون أنفسهم مضطرين للتكيف مع واقع مرير يتمثل في انقطاع مستمر للكهرباء لفترات طويلة تصل إلى عشر ساعات أو أكثر يومياً.

ويعد الفساد المستشري في مؤسسات الدولة من أبرز الأسباب التي ساهمت بشكل كبير في تدهور قطاع الكهرباء في اليمن. فالموارد التي كان من المفترض أن توجه لإصلاح وصيانة محطات الكهرباء أو لتنفيذ مشروعات جديدة لتحسين البنية التحتية، تم تحويلها بشكل غير قانوني لأغراض شخصية أو استخدمها بعض المسؤولين في الصفقات المشبوهة. هذا الفساد أدى إلى تراكم مشاكل القطاع، مثل نقص الوقود اللازم لتشغيل محطات توليد الكهرباء، وتدهور حالة شبكة الكهرباء التي كانت بحاجة إلى صيانة عاجلة.

علاوة على ذلك، فإن غياب الرقابة والشفافية في إدارة الموارد المالية التي تخصصها الحكومة لقطاع الكهرباء أسهم في تفاقم الأزمة، حيث كانت الأموال تذهب إلى جيوب الفاسدين بدلاً من أن تستخدم في تطوير وتحسين الشبكة الكهربائية. بالإضافة إلى ذلك، ساهم غياب الاستثمارات الأجنبية في القطاع بسبب الأوضاع السياسية والاقتصادية غير المستقرة في عرقلة مشاريع الطاقة البديلة التي كان من الممكن أن تساهم في توفير الكهرباء بشكل أكثر استدامة.

إن تأثر كافة جوانب الحياة اليومية بهذه الأزمة دفع المواطنين في مختلف المدن اليمنية، وبالخصوص في عدن، إلى الخروج في احتجاجات واعتراضات علنية، مطالبة بتحسين الخدمة وتوفير الكهرباء بشكل دائم. ومع كل هذه التحديات، يبقى الأمل في أن تكون هناك إرادة سياسية جادة لمحاربة الفساد، وتحقيق إصلاحات حقيقية في قطاع الكهرباء، سواء على المستوى المحلي أو الدولي. فالتعاون مع المنظمات الدولية وتبني تقنيات الطاقة المتجددة قد يمثلان خطوة حاسمة نحو تحقيق استدامة في توفير الكهرباء وإنعاش الاقتصاد الوطني الذي يعاني من تدهور مستمر.

في النهاية، إن معالجة أزمة الكهرباء تتطلب أكثر من مجرد توفير الوقود أو بناء محطات جديدة، بل يجب أن تشمل إصلاحات هيكلية شاملة في إدارة القطاع، ومكافحة الفساد، وتفعيل خطط استراتيجية تضمن استدامة وتطوير القطاع بعيداً عن التجاذبات السياسية.

الباحثة في سلك الدكتوراه/ ولاء فريد بن عطاف


المصادر:

البنك الدولي – توسيع الوصول إلى الكهرباء في اليمن

يستعرض هذا التقرير جهود البنك الدولي في تحسين الوصول إلى الكهرباء في اليمن، بما في ذلك الموافقة على تمويل إضافي بقيمة 100 مليون دولار لمشروع الطوارئ للوصول إلى الكهرباء.

World Bank Increases Funding to Expand Electricity Access in Yemen

الرابط: https://www.worldbank.org/en/news/press-release/2022/06/30/world-bank-increases-funding-to-expand-electricity-access-in-yemen

برنامج الأمم المتحدة الإنمائي – مسار التعافي باستخدام الطاقة المتجددة في اليمن

يناقش هذا المقال تأثير نقص الكهرباء على مختلف جوانب الحياة في اليمن، بما في ذلك المستشفيات والمدارس والأعمال التجارية، ويبرز أهمية الطاقة المتجددة كحل مستدام.

Lighting the path to recovery with renewable energy in Yemen

الرابط: https://www.undp.org/yemen/news/lighting-path-recovery-renewable-energy-yemen

هيومن رايتس ووتش – انقطاع الكهرباء والمياه في عدن يهدد الحقوق

يوثق هذا التقرير فشل الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي في توفير الكهرباء والمياه لسكان عدن، مما يؤثر على حقوقهم الأساسية.

Yemen: Aden Electricity, Water Cuts Threaten Rights

الرابط: https://www.hrw.org/news/2023/11/16/yemen-aden-electricity-water-cuts-threaten-rights

مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية – انقطاع الكهرباء في اليمن

يقدم هذا التقرير تحليلاً لوضع الكهرباء في اليمن، مشيراً إلى الفساد والخسائر المالية الكبيرة في القطاع، بما في ذلك خسارة 575 مليون دولار في عام 2022 بسبب عقد فاشل مع مزود طاقة.

Blackouts and Blackholes: Yemen's Vanishing Electricity Supply

الرابط: https://sanaacenter.org/the-yemen-review/sept-oct-2023/21234

البنك الدولي – إضاءة الحياة: جلب النور والأمل إلى جيبوتي واليمن

يستعرض هذا التقرير التحديات التي تواجه الوصول إلى الكهرباء في اليمن، حيث تشير التقديرات إلى أن 76% من السكان لديهم إمكانية الوصول إلى الكهرباء، لكن فقط 12% يعتمدون على المرافق العامة.

Illuminating Lives: Bringing Light and Hope to Djibouti and Yemen

الرابط: https://www.worldbank.org/en/results/2025/03/26/illuminating-lives-bringing-light-and-hope-to-djibouti-and-yemen


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الحوالات الخارجية في اليمن، شريان حياة أم عبء اقتصادي.

ضمير المهنة شرف لا يشترى

من صدق مع الله، أسكت الله به ضجيج الباطل