قاضيًا على الناس... محاميًا لنفسك

تأملات:

بقلم: ولاء فريد بن عطاف

في محكمة الحياة، يقف كثيرون بثوب القاضي صارمين حين يتعلق الأمر بالآخرين، وبعباءة المحامي المتراخية حين يتعلق الأمر بأنفسهم. يصدرون الأحكام الجاهزة على الغير، وكأنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة، بينما حين يرتكبون الخطأ ذاته، يهرعون إلى التبرير والتجميل، معللين زلاتهم بالظروف، أو النوايا الطيبة، أو حتى الحظ العاثر.

إنها ازدواجية غريبة يعيشها الإنسان، قاضي صارم في الخارج، ومحامي متساهل في الداخل. ولكن هل نملك الجرأة لمواجهة أنفسنا بصدق؟ هل تكمن العدالة الحقيقية في الانتصار للنفس دائمًا، حتى وإن أخطأت؟ أم في الانتصار لصوت الضمير، وامتلاك الشجاعة للاعتراف بالخطأ، والسعي لإصلاحه؟

قال الإمام علي رضي الله عنه:

"من نظر في عيوب الناس فأنكرها، ثم رضيها لنفسه، فذلك الأحمق بعينه."

هذه الحكمة تلخص صراعًا داخليًا يعاني منه الكثيرون: نقد الفعل في الآخرين، وممارسته سرًا، مع تبرير مستمر للنفس. وفي علم النفس، يعرف هذا السلوك بآلية الدفاع النفسي المسماة "التبرير" (Rationalization)، وهي وسيلة يلجأ إليها العقل اللاواعي لتخفيف وطأة الشعور بالذنب أو القلق. إلا أن الاستمرار في هذه الآلية يشكل خطرًا على النمو الشخصي والوعي الذاتي.

يقول الدكتور George Vaillant، أستاذ الطب النفسي في جامعة هارفارد:

"التبرير قد يريحك مؤقتًا، لكنه يمنعك من مواجهة الحقيقة، ويؤخر نضجك العاطفي."

والعقل الناضج، هو الذي لا يخشى النظر إلى ذاته بصدق، ويتحمل مسؤولية أفعاله دون تهرب أو إسقاط. لذا، نحن بحاجة إلى وقفة صادقة مع أنفسنا، نخلع فيها رداء المحامي، ونرتدي ثوب القاضي، لكن ليس لنجلد أنفسنا، بل لنحاسبها برحمة وعدل، بهدف الإصلاح. فلنكن عادلين لا قساة، موضوعيين لا متحيزين.

وأخيرًا، لنحاسب أنفسنا بصدق قبل أن يحاسبنا الله. كم من نفس ضلت، ليس لأنها أخطأت، بل لأنها كذبت على نفسها حين زلت وأصرت. فالصدق مع النفس ليس ضعفًا، بل هو أول خطوة نحو القوة، والنضج، والإصلاح.

وفي النهاية، لا أحد يسكن روحك سواك، ولا أحد يحاسب عنها غيرك. فكن خصمًا شريفًا، وقاضيًا عادلًا، ومحاميًا صادقًا... أمام الله أولًا، ثم أمام ضميرك.

 


تعليقات

  1. كلام جميل جدا .. أحسنتي الطرح ... فأنتي راقيه وأسلوب سهل وتفننتي في أسلوب الطرح وسلس للقارء وبتوصلي الفكره والمعلومه بكل سلاسه .. نرفع لك القبعه

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الحوالات الخارجية في اليمن، شريان حياة أم عبء اقتصادي.

ضمير المهنة شرف لا يشترى

من صدق مع الله، أسكت الله به ضجيج الباطل