لماذا جاءت اليمن في المرتبة الثانية عربيًا في تكلفة المعيشة لعام 2025؟
القنيطرة | يونيو 2025
أثار تصنيف اليمن في المرتبة الثانية عربيًا من حيث تكلفة المعيشة، وفقًا لتقرير صادر عن منصة Numbeo العالمية، موجة من التساؤلات والاستغراب في الأوساط الاقتصادية والشعبية على حد سواء. فقد حلت اليمن مباشرة بعد دولة الإمارات العربية المتحدة، متقدمة على دول خليجية وعربية معروفة بمستويات إنفاقها المرتفعة، مثل قطر والكويت والسعودية.
ورغم أن اليمن تُعد من أفقر الدول العربية وتعاني من حرب مستمرة منذ سنوات، إلا أن تصنيفها ضمن الأعلى عربيًا في مؤشر غلاء المعيشة يسلّط الضوء على أزمة اقتصادية مركبة تعيشها البلاد، تتجاوز في أبعادها مجرد معدلات الأسعار.
أولًا: ما هو مؤشر Numbeo وكيف يتم احتسابه؟
يعتمد مؤشر تكلفة المعيشة الصادر عن موقع Numbeo على مقارنة الأسعار في الدول المختلفة بمثيلاتها في مدينة نيويورك، والتي تُعتمد كمرجع بقيمة 100. كلما اقتربت الدولة من هذا الرقم، دلّ ذلك على ارتفاع تكاليف المعيشة فيها.
بحسب التقرير، حصلت اليمن على مؤشر 48.4، وهو رقم يفوق دولًا مثل البحرين (48.3) وقطر (47.5) والسعودية (41.9)، ما جعلها تحتل المرتبة الثانية عربيًا والـ37 عالميًا من حيث غلاء المعيشة.
ثانيًا: تكلفة معيشة مرتفعة في بلد منهك اقتصاديًا
قد يبدو تصنيف اليمن في هذا الموقع المتقدم من حيث الأسعار مفارقة، لا سيما أنها تمر بأزمة إنسانية واقتصادية حادة، إلا أن الواقع يكشف عن عدد من العوامل التي تفسر هذا الوضع:
1. انهيار العملة المحلية
شهد الريال اليمني خلال السنوات الأخيرة تراجعًا غير مسبوق أمام العملات الأجنبية، ما أدى إلى ارتفاع أسعار جميع السلع، لا سيما المستوردة، والتي تشكل نسبة كبيرة من السوق اليمني.
2. الاعتماد الكلي على الاستيراد
بسبب الحرب وتوقف الإنتاج المحلي، أصبحت البلاد تعتمد بشكل شبه كلي على الاستيراد، ما زاد من تكلفة السلع نتيجة ارتفاع أجور الشحن والضرائب والرسوم الجمركية.
3. غياب سياسات الدعم
في الوقت الذي توفر فيه دول أخرى دعمًا مباشرًا للغذاء أو الطاقة، تفتقر السوق اليمنية لأي نوع من أنواع الدعم الحكومي، ما يجعل المواطن يدفع ثمن التكلفة الحقيقية لكل سلعة.
4. معدلات تضخم متسارعة
تعيش البلاد تضخمًا مرتفعًا ينعكس على أسعار المواد الغذائية والخدمات الأساسية، ويؤدي إلى تآكل القوة الشرائية للسكان، خاصة في ظل ثبات الرواتب وانخفاض فرص العمل.
ثالثًا: هل اليمن دولة "مرتفعة المعيشة" فعلًا؟
هنا يكمن جوهر المفارقة. المؤشر لا يقيس جودة الحياة أو الرفاهية، بل يقيس الأسعار المطلقة مقارنة بمدينة نيويورك. وبالتالي، فإن اليمن لا تُعد دولة غنية أو مرفهة، بل هي من الدول التي تعاني من غلاء غير متوازن مقارنة بقدرة السكان الشرائية.
ففي حين تعني قيمة المؤشر المرتفعة أن الأسعار مرتفعة نسبيًا، فإنها تصبح أكثر فتكًا في اليمن حيث لا توجد شبكة أمان اجتماعي، ولا دعم اقتصادي، ولا استقرار سياسي، ما يجعل الغلاء يتحول إلى عبء يهدد سبل العيش الأساسية للمواطن.
أخيرًا، تكشف هذه الأرقام عن عمق الأزمة الاقتصادية التي يعيشها اليمن، وتدق ناقوس الخطر حول استمرار تدهور الظروف المعيشية في غياب حلول جذرية.
إن تصنيف اليمن ضمن الدول الأعلى عربيًا في تكلفة المعيشة ليس شهادة على الرفاه، بل مرآة لأزمة مركبة يعيشها المجتمع اليمني بكل فئاته، في ظل غياب الدولة، وتآكل القدرة الشرائية، وانعدام الأمل.
المصدر:
Numbeo – Cost of Living Index by Country 2025 Mid-Year
تم الاطلاع عليه في يونيو 2025 عبر الموقع الرسمي:
https://www.numbeo.com/cost-of-living/rankings_by_country.jsp

تعليقات
إرسال تعليق