تحليل شخصي عن أسباب اختلاف سعر الصرف بين عدن وصنعاء

في الحقيقة لا يمكن فهم الفوارق الكبيرة في سعر صرف الريال اليمني بين صنعاء وعدن إلا من خلال تحليل المعطيات المؤسسية والنقدية لكل منطقة، التي أنتجت بيئتين مختلفتين تمامًا للعملة الوطنية (الريال).

أولًا ماهي أسباب اختلاف سعر الصرف بين عدن وصنعاء
1. الانقسام النقدي والمؤسسي
هناك بنكان مركزيان فعليان يعملان بشكل منفصل:
- في عدن: يطبع النقد الجديد وتضخ السيولة بدون ضوابط فاعلة.
- في صنعاء: تمنع التعاملات بالنقد الجديد ويفرض سعر صرف ثابت عبر تعاميم صارمة.
2. تفاوت تدفق العملات الأجنبية
عدن تعتمد على التحويلات والمساعدات الخارجية، لكنها تعاني من شح الدولار في السوق الرسمي.
والسؤال هنا كيف تكون عدن أكثر تدفقًا للعملات الأجنبية، لكنها تعاني من شح في السوق؟
والإجابة:
- ضعف قدرة البنك المركزي على جذب العملة الأجنبية إلى القنوات الرسمية: التحويلات والمساعدات تمر في جزء كبير منها عبر قنوات غير خاضعة لسيطرة البنك (كالصرافين أو السوق السوداء)، ما يضعف قدرة البنك على إدارة هذه الموارد.
- سوء إدارة النقد الأجنبي: غياب آليات مركزية لتوزيع العملات الأجنبية، أو فرض التزام على البنوك والصرافين بتسليم جزء منها للبنك المركزي، يجعل الدولار يتدفق، لكنه لا يستخدم في دعم استقرار السوق أو تمويل الاستيراد بشكل شفاف.
- المضاربة والاحتكار: حتى مع توفر العملات الأجنبية في السوق، يقوم الصرافون والمضاربون باحتكارها، وبيعها بأسعار مرتفعة أو حسب مصالحهم، ما يخلق انطباعًا بشح الدولار رغم توفره فعليًا.
- غياب الثقة بالسياسات النقدية: الجهات المانحة والمستوردون لا يثقون في قدرة البنك المركزي بعدن على إدارة العملة الأجنبية، لذلك يفضلون إبقاء الأموال خارج النظام البنكي المحلي أو تحويلها فورًا إلى الخارج.
- التزامات خارجية كبيرة وطلب مرتفع على الدولار: في العاصمة الموقتة عدن، هناك استيراد أوسع، ومشتريات بالعملة الأجنبية تتطلب تمويلًا مستمرًا، ما يؤدي إلى ضغط أعلى على الدولار مقارنة بمناطق أخرى، وبالتالي يستهلك بشكل أسرع من توفره.
بينما صنعاء تستفيد من تدفقات مالية أكثر انتظامًا، وإن كانت غير رسمية، لكنها ساهمت في استقرار نسبي للسوق. حيث أن الطلب على الدولار أقل نسبيًا، بسبب القيود على الاستيراد. بالإضافة إلى أن التعاملات بالدولار تدار مركزيًا عبر قنوات غير رسمية ولكن منضبطة (مثل شركات تجارية أو بنوك خاضعة لسيطرة الحوثيين)، مما يعطي انطباعًا بالاستقرار رغم الحصار.
3. غياب الرقابة في الجنوب مقابل انضباط نسبي في الشمال
البنك المركزي في عدن لا يمتلك أدوات تدخل حقيقية، فيما تفرض صنعاء رقابة شديدة على السوق ومحلات الصرافة.
4. تحكم المضاربين في السوق الجنوبي
في عدن، تركت السوق للعمل المضاربي المفتوح، بينما في صنعاء هناك تحكم أكثر تشددًا بآليات السوق.
ثانيًا: هل التعويم هو سبب ما يحصل في سعر الصرف في عدن؟
وفي الحقيقة ما حدث في عدن ليس "تعويمًا" بل تحرير غير منضبط للسوق
يروج أحيانًا لفكرة أن ما حدث في عدن هو تعويم للعملة، لكن الواقع يظهر أن:
= البنك المركزي لم يمارس تعويمًا مدروسًا، بل تخلى عن مسؤوليته في إدارة سعر الصرف.
= غياب الاحتياطي النقدي، وشح الأدوات الرقابية، وعدم وجود سياسة واضحة للتحكم في الطلب على العملة الأجنبية، كل ذلك أدى إلى فوضى سعرية.
= المضاربون والصرافون باتوا يحددون السعر وفقًا لمصالحهم، لا وفقًا لمعايير السوق الحقيقية.
وهنا تأتي المفارقة: في حين حافظت صنعاء على سعر صرف مستقر (نسبيًا) من خلال أدوات تدخل إدارية صارمة، شهدت عدن تقلبات حادة بسبب ما يمكن وصفه بـ"التعويم العشوائي" دون شبكة أمان اقتصادية أو نقدية.
والخلاصة : أن سعر الصرف في صنعاء لا يعكس بالضرورة قوة اقتصادية، بل يظهر قدرة على فرض الانضباط النقدي. بينما سعر الصرف في عدن يعكس فشلًا في إدارة السيولة، لا حجمًا أكبر من الطلب أو الاستيراد. والفرق الجوهري هو أن صنعاء استخدمت سياسة نقدية "إدارية" صارمة، بينما اختارت عدن "التحرير الكامل" دون أدوات احتراز تحافظ على مصلحة المواطن.
والله أعلم
د. ولاء فريد عطاف

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الحوالات الخارجية في اليمن، شريان حياة أم عبء اقتصادي.

ضمير المهنة شرف لا يشترى

من صدق مع الله، أسكت الله به ضجيج الباطل