المطالبة الجنوبية هي عودة إلى دولة كانت قائمة ومعترف بها، لا اختراع كيان جديد


يشهد جنوب اليمن اليوم زخمًا سياسيًا وشعبيًا متصاعدًا، يعكس مرحلة متقدمة من الوعي الوطني، ويؤكد أن القضية الجنوبية ليست وليدة لحظة، بل نتاج مسار تاريخي وقانوني واضح، انتهى بوحدة فاشلة استمرت أكثر من ثلاثة عقود.
فقبل عام 1990، كان الجنوب دولة مستقلة كاملة السيادة، معترفًا بها دوليًا، وعضوًا في الأمم المتحدة، ويتمتع بإقليم وحدود ومؤسسات ودستور، وهو ما يمنحه وفق القانون الدولي شخصية قانونية قائمة بذاتها. وقد جاءت وحدة 22 مايو 1990 نتيجة اتفاق سياسي بين دولتين، على أساس الشراكة والتكافؤ، لا الإلغاء أو الضم.
غير أن حرب 1994 شكلت نقطة التحول الحاسمة، حيث جرى إلغاء تلك الشراكة بالقوة، وتحويل الوحدة من عقد سياسي طوعي إلى واقع مفروض عسكريًا، تم خلاله تفكيك مؤسسات الدولة الجنوبية، وإقصاء كوادرها، ونهب مواردها، في خرق صريح لاتفاقيات الوحدة ولمبادئ القانون الدولي التي تجرم الاستيلاء على الأرض بالقوة.
قانونيًا، فإن مطالب الجنوبيين اليوم تستند إلى مبدأ حق الشعوب في تقرير المصير، كما ورد في ميثاق الأمم المتحدة والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، خاصة عندما تفشل الدولة في ضمان المساواة، أو تنقلب على أسس الشراكة التي قامت عليها.
وفي السياق السياسي والأمني، لا يمكن فصل القضية الجنوبية عما تشهده المنطقة من تهديدات خطيرة، وفي مقدمتها خطر جماعة الحوثي، التي تحولت إلى تهديد مباشر لأمن اليمن، والملاحة الدولية، واستقرار الإقليم. لقد أثبتت القوات الجنوبية، أنها خط الدفاع الأول في مواجهة هذا الخطر، وأنها نجحت في فرض الأمن، ومكافحة الإرهاب، ومنع تمدد المليشيات، في وقت انهارت فيه مؤسسات الدولة في مناطق أخرى.
إن امتلاك الجنوب لقوات أمنية وعسكرية منظمة وقادرة على حفظ الأمن، وتأمين الممرات البحرية، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود، يعزز من مشروعية مشروعه السياسي، ويؤكد أن استعادة الدولة الجنوبية ليست فقط استحقاقًا تاريخيًا وقانونيًا، بل أيضًا ضرورة أمنية إقليمية تسهم في حماية الاستقرار بدل تقويضه.
القضية الجنوبية اليوم لم تعد مجرد مطلب شعبي، بل قضية سياسية وقانونية وأمنية عادلة…

عودة دولة، لا اختراع كيان، وشريك حقيقي في استقرار المنطقة.

بقلم: د ولاء بن عطاف

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الحوالات الخارجية في اليمن، شريان حياة أم عبء اقتصادي.

ضمير المهنة شرف لا يشترى

من صدق مع الله، أسكت الله به ضجيج الباطل